كان ابنُ عمرَ يتبع النبيَّ صلى الله عليه وسلم بحذافيره، ممتثلًا لقول القرآن الكريم: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. فلم يترك أمرًا صغيرًا ولا كبيرًا إلا واقتفى فيه أثرَ النبيِّ.
حتى في الأمور التي قد يراها البعضُ غير ضرورية، كان يتمسك بآثار النبيِّ بدقة متناهية. يقول نافعٌ وغيره: إن شدة حرص ابنِ عمرَ على تتبع آثار النبيِّ كانت تجعل الناظرَ إليه يظن أن به مسًّا من جنون. فإذا نزل النبيُّ تحت شجرة في سفر، كان ابنُ عمرَ ينزل تحتها ويصبُّ الماءَ على جذورها كي لا تيبس، وفاءً للمكان الذي جلس فيه الحبيبُ.
ويروي مجاهدٌ قائلًا: كنا مع ابنِ عمرَ في سفر، فحاد فجأة عن الطريق المستقيم. وعندما سألتُه عن السبب، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ يفعل هذا في هذا المكان، ففعلتُ مثلَه. وكان في طريق مكة يحرص كل الحرص على أن تقع خفافُ ناقتِه في ذات المواضع التي وقعت فيها أقدامُ ناقةِ النبيِّ. وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: لم أرَ أحدًا يتبع أثرَ النبيِّ في طرقه كما كان يفعل ابنُ عمرَ.
ويذكر عبدُ اللهِ بنُ قيسٍ أنه كان عائدًا من مسجد بني عمرو بـقباء راكبًا بغلتَه، فلقي ابنَ عمرَ يمشي على قدميه. نزل الرجلُ وعرض عليه الركوبَ، لكن ابنَ عمرَ رفض قائلًا: يا ابن أخي، لستُ عاجزًا عن الركوب، ولكن النبيَّ مشى إلى هذا المسجد ليصلي فيه، فأحببتُ أن أمشيَ كما مشى النبيُّ.
وعندما سُئل عن تقبيل الحجر الأسود، قال: رأيتُ النبيَّ يقبلُه ويمسحُه. فسأله السائل: وماذا لو اشتد الزحامُ؟ فأصر ابنُ عمرَ قائلًا: حاول ولو حاصرك الزحامُ، فقد رأيتُ النبيَّ يقبلُه. ولم تكن الحججُ العقلية تثنيه عن الاتباع، فحين سأله عبدُ الرحمنِ بنُ أميةَ عن عدم ذكر صلاة السفر في القرآن، أجابه: إن الله بعث إلينا محمدًا ونحن لا نعلم شيئًا، فنحن نفعل ما رأينا النبيَّ يفعلُه.
وعندما جادله البعضُ بأن قصر الصلاة في القرآن ارتبط بالخوف، بينما هم يسافرون في أمن، كان رده حاسمًا: إن لنا في رسول الله أسوة حسنة، وقد رأينا فعلَه فاتبعناه، ولسنا بأعلم منه. وكان ابنُ عمرَ يقبض لحيتَه ويقص ما زاد عن القبضة، ويصبغها بالصفرة لأن النبيَّ كان يصبغُها. ولما سُئل عن لبس النعال السبتية (التي لا شعر عليها)، قال: رأيتُ النبيَّ يلبسُها ويتوضأ فيها، وكان يحبُّها.
كان ثوبُ ابنِ عمرَ وقميصُه يصلان إلى أنصاف ساقيه، وكان يسدل طرفَ عمامتِه بين كتفيه. وفي كل تفاصيل حياته من جلوس ومشية، كان ينسخ حياةَ النبيِّ. وكان يغتسل للإحرام ولدخول مكة وللوقوف بعرفة اقتداءً به. كما كان يدهن رأسَه مرتين يوميًا، ولا يخرج لصلاة الجمعة أو العيد إلا بعد التطيب بالطيبِ والدهنِ.
كان ربعةً من الرجال، يميل إلى السمنة، بشرته بين البياض والسمرة، وله ذؤابة شعر تميل نحو قفاه، ولحيته مهذبة وشاربه مقصوص بدقة. لقد كان ابنُ عمرَ متميزًا في كل شيء، واجدًا لذته الكبرى في محاكاة الحبيب المصطفى.
