كانت رغبةُ معاويةَ أن تؤولَ السلطةُ إلى ابنِهِ يزيدَ من بعدِه، وكانت له في ذلك مبرراتُه الخاصةُ. وفي عام 56 للهجرة، طرحَ معاويةُ هذا الهدفَ، وأرسلَ رسائلَه إلى كل الأمصارِ يعلنُ فيها أن يكونَ يزيدُ الخليفةَ من بعدِه. فاستجابَ الناسُ لذلك، إلا أنَّ ثلةً من أعيانِ القومِ اعتزلوا هذا الأمرَ.
كان من بين هؤلاءِ ابنُ عمرَ، وعبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ، والحسينُ بنُ عليٍّ، وعبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، وعبدُ اللهِ بنُ عباسٍ. اعتبرَ معاويةُ هذا الموقفَ أمراً جسيماً، فمرَّ بالمدينةِ في طريقِه لأداءِ العمرةِ، واجتمعَ بكلِّ واحدٍ منهم على حدةٍ ليناقشَ قضيةَ خلافةِ يزيدَ.
أبدى معظمُ هؤلاءِ القادةِ معارضةً شديدةً، ثم هدأوا بعد ذلك. أما عبدُ اللهِ بنُ عمرَ فقد قاربَ المسألةَ منذ البدايةِ بحكمةٍ بالغةٍ؛ فلم يظهرْ غلظةً في القولِ، بل حاولَ إيضاحَ حجتِه بلباقةٍ وتؤدةٍ.
قال معاويةُ: يا ابنَ عمرَ، إنما أسعى لئلا يضيعَ الناسُ بعدي كالغنمِ التي لا راعيَ لها. فأجابَه ابنُ عمرَ قائلًا: إذا أجمعَ الناسُ على رجلٍ واحدٍ فلن أعتزلَ عنهم، ولو كان عبداً مجدعاً.
لقد أدركَ معاويةُ مكانةَ ابنِ عمرَ منذ وقتٍ مبكرٍ، حتى إنه قال ذات مرةٍ في خطبتِه: أيها الناسُ، إن فيكم من هو خيرٌ مني، كعبدِ اللهِ بنِ عمرَ وعبدِ اللهِ بنِ عمرو وغيرِهما، ولكنني أرى أنني أنفعُكم في الحكمِ، وأقدرُكم على نكايةِ العدوِّ وإرساءِ دعائمِ الاقتصادِ.
وحين وُسِدَ معاويةُ فراشَ الموتِ، أوصى ابنَه يزيدَ قائلاً: اعلمْ أن هناك رهطاً من قريشٍ هم الأحقُّ بهذا الأمرِ، ولكنَّ ابنَ عمرَ رجلٌ قد صهرتْه العبادةُ، فلا تخفْ منه؛ فإنه إذا لم يجدْ غيرَك فسيُبايعُك لا محالةَ
حين رَحَلَ معاويةُ، تغيرتْ نفوسُ الكثيرينَ؛ فرفضَ أهلُ المدينةِ الاعترافَ بسلطةِ يزيدَ. وفي هذه اللحظةِ، وفى ابنُ عمرَ بعهدِه، فجمعَ أبناءَه وأقاربَه ومحبيهِ وقال لهم: "سمعتُ النبيَّ يقولُ: يُنصَبُ لكل غادرٍ لواءٌ يومَ القيامةِ. وإنا قد بايعنا هذا الرجلَ على بيعةِ اللهِ ورسولِه، وإنَّ العهدَ باسمِ اللهِ ورسولِه ليس بالأمرِ الهينِ. لذا أقولُ لكم جازماً: لا يخلعنَّ أحدٌ منكم يداً من طاعةٍ حتى يقضيَ اللهُ أمراً كان مفعولاً
لم يكتفِ ابنُ عمرَ بذلك، بل سعى جاهداً لتهدئةِ الأوضاعِ وضمانِ وحدةِ المسلمينَ. وفي تلك الأثناءِ، خلعَ أهلُ المدينةِ يزيدَ وبايعوا عبدَ اللهِ بنَ مطيعٍ. فحين عَلِمَ ابنُ عمرَ بذلك، مَضى إلى ابنِ مطيعٍ، ولما رآه ابنُ مطيعٍ قال لأعوانِه: ضعوا وسادةً لأبي عبدِ الرحمنِ ليجلسَ
جاء ردُّ ابنِ عمرَ حاسماً وسريعاً: لم آتِ لأجلسَ، بل جئتُ لأبلغَكم حديثاً سمعتُه من رسولِ اللهِ؛ قال: مَن خلعَ يداً من طاعةٍ لقيَ اللهَ يومَ القيامةِ ولا حجةَ له، ومَن مات وليس في عنقِه بيعةٌ مات ميتةً جاهليةً
كان موقفُ ابنِ عمرَ مبنياً على رؤيةٍ حكيمةٍ، وهي ضرورةُ تجنبِ الفرقةِ بين المسلمينَ مهما كلفَ الثمنُ. وحين تولى يزيدُ الحكمَ، جاءتْ جماعةٌ إلى ابنِ عمرَ فخاضوا معه في نقاشٍ، فقال لهم: لا أنتم تزعمون أن يزيدَ أفضلُ الناسِ ولا أنا. هو ليس بالأفضلِ ولا بالأعلمِ في الفقهِ، وأنا أقرُّ بذلك، ولكنني أتمنى أن تجتمعَ هذه الأمةُ ولا تتفرقَ
ثم سألَ الحاضرينَ: لو دَخلتْ أمةُ محمدٍ كلُّها من بابٍ واحدٍ، أيعجزُ رجلٌ واحدٌ عن الدخولِ فيه؟ قالوا: لا أبداً. فقال: كذلك لو قررَ كلُّ فردٍ في هذه الأمةِ ألا يسفكَ دمَ غيرِه ولا ينهبَ مالَه، لكان ذلك ممكناً. هذا كلُّ ما أصبو إليه
لقد لخصَ ابنُ عمرَ موقفَه لحظةَ تولي يزيدَ السلطةَ بقولِه: "إن كان خيراً رضينا، وإن كان بلاءً صبرنا
