كُنَّا نَتَنَاوَلُ الطَّعَامَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا أَمِيرُ الـمُؤْمِنِينَ عُمَرُ. فَأَجْلَسْنَاهُ فِي صَدْرِ الـمَائِدَةِ تَقْدِيراً لَهُ. تَنَاوَلَ عُمَرُ لُقْمَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ ثَنَّى بِأُخْرَى، فَتَوَقَّفَ وَسَأَلَ: إِنِّي أَجِدُ طَعْمَ دَسَمٍ غَيْرِ طَعْمِ اللَّحْمِ، مَا هَذَا؟. قُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الـمُؤْمِنِينَ، أَرَدْتُ شِرَاءَ سَمْنٍ مِنَ السُّوقِ فَوَجَدْتُ سِعْرَهُ مُرْتَفِعاً، فَاشْتَرَيْتُ بِدِرْهَمٍ سَمْناً جَيِّداً، وَبِدِرْهَمٍ آخَرَ سَمْناً أَقَلَّ جَوْدَةً، وَخَلَطْتُ بَيْنَهُمَا لِأُقَلِّلَ التَّكْلِفَةَ، وَهَذَا هُوَ سَبَبُ الطَّعْمِ الـمُخْتَلِفِ. حِينَهَا قَالَ عُمَرُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ إِدَامَانِ، أَكَلَ أَحَدَهُمَا وَتَصَدَّقَ بِالآخَرِ. فَأَجَبْتُهُ قَائِلاً: يَا أَمِيرَ الـمُؤْمِنِينَ، لَنْ أَجْمَعَ بَيْنَ إِدَامَيْنِ بَعْدَ اليَوْمِ أَبَداً.
هَكَذَا كَانَ عُمَرُ يُقَدِّمُ الـنَّصِيحَةَ لِابْنِهِ فِي وَقْتِهَا الـمُنَاسِبِ، فَنَشَأَ ابْنُ عُمَرَ بَيْنَ حَزْمِ وَلِينِ وَالِدِهِ.
يا بُنَيَّ، اتقِ اللَّهَ، فمن اتقى اللَّهَ وقاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن شكره زاده، ومن أقرضه جزاه. فاجعل التقوى عِمادَ قلبِكَ، ونورَ بصرِكَ؛ فلا عملَ لمن لا نيةَ لهُ، ولا أجرَ لمن لا خشيةَ لهُ، ولا جديدَ لمن لا خَلَقَ لهُ.
وفي مَساءِ عُمرِهِ، دعا ابنَ عمرَ وأوصاهُ قائلًا: يا بُنَيَّ، عليكَ بخصالِ الإيمانِ. فسأله ابنُ عمرَ: ما هي يا أبتِ؟ فأجاب: الصومُ في شدةِ الحرِّ، وقتلُ الأعداءِ بالسيفِ، والصبرُ على المصيبةِ، وإسباغُ الوضوءِ في اليومِ الباردِ، وتعجيلُ الصلاةِ في يومِ الغيمِ، وتركُ الخمرِ.
لمّا طُعن عمرُ واقتربَ أجلُهُ، قَرَّبَ إليه ابنَهُ عبدَ اللهِ وباحَ له بآمالِهِ الأخيرةِ. يقولُ عثمانُ: دخلتُ وعمرُ رَأسُهُ في حِجرِ ابنِهِ، فقال عُمرُ: ضَعْ خدي على الأرضِ، فلم يفعلِ الابنُ. فقال عمرُ بلهجةٍ غليظةٍ: ضَعْ خدي على الأرضِ، ويلي وويلُ أمي إن لم يغفرِ اللَّهُ لي.
يا عبدَ اللهِ، انظر ما عليَّ من دَيْنٍ، فاحسبْهُ من مالِ آلِ عمرَ، فإن وفى فاقضِهِ، وإلا فسلْ بني عديِّ بنِ كعبٍ، فإن لم تَفِ أموالُهُمْ فسلْ قريشًا، ولا تَعْدُهُمْ إلى غيرِهِمْ. وأنتَ الضامنُ لهذا.
وبالفعل، تحمّلَ ابنُ عمرَ الأمانةَ، وكان الدَّينُ ستةً وثمانينَ ألفَ درهمٍ، فوفّاهُ في أسبوعٍ واحدٍ عبرَ الخليفةِ عثمانَ.
طلب الدفن بجوار النبي
وفي لحظاتِ الوداعِ، كلف عُمرُ ابنَهُ بمهمةٍ غاليةٍ؛ أن يذهبَ إلى السيدةِ عائشةَ رضي الله عنها ويستأذنَها: هل تأذنُ لعمرَ أن يُدفنَ بجوارِ النبيِّ وصاحبِهِ أبي بكرٍ؟ فقام ابنُ عمرَ بالواجبِ، وحقق رغبةَ أبيهِ. ورغمَ حرصِهِ على وصايا أبيهِ، إلا أنَّ عمرَ لم يرضَ بالخلافةِ لابنِهِ، ولم يسعَ ابنُ عمرَ إليها أبدًا.
ظلَّ ابنُ عمرَ وفيًّا لذكرى أبيهِ بعدَ رحيلِهِ، وكان يقولُ دومًا: ما رأيتُ أحدًا بعدَ رسولِ اللَّهِ أقوى ولا أجودَ من عمرَ.
بينما كان ابنُ عمرَ في طريقِهِ إلى مكةَ راكبًا حمارَهُ ومرتديًا عمامتَهُ، لقِيَهُ أعرابيٌّ في الطريقِ، فسألَ الأعرابيُّ: ألستَ ابنَ عمرَ؟ فقال: بلى. ثم نزل عن حمارِهِ ووهبَهُ للأعرابيِّ، ونزعَ عمامتَهُ وأعطاهُ إياها قائلًا: اشددْ بها رأسَكَ.
تعجبَ أصحابُهُ وقالوا: غفرَ اللَّهُ لكَ، أعطيتَهُ حمارًا كنتَ تروحُ عليهِ، وعمامةً كنتَ تشدُّ بها رأسَكَ؟ فقال ابنُ عمرَ: إني سمعتُ رسولَ اللَّهِ يقولُ: إنَّ من أبرِّ البرِّ صِلَةَ الرجلِ أهلَ وُدِّ أبيهِ بعدَ أن يُوَلِّيَ. وإنَّ أبا هذا الرجلِ كان صديقًا لِعمرَ، وقد قال النبيُّ: احفظْ وُدَّ أبيكَ ولا تقطعْهُ فَيُطْفِئَ اللَّهُ نورَكَ.
