تعد بيعة الرضوان في الحديبية محطة فارقة في التاريخ الإسلامي. والبيعة هنا ليست مجرد اتفاق عابر، بل هي ميثاق غليظ ومعاهدة وثيقة تُعقد أمام اللهُ، مع عهد مؤكد بعدم النكث أو التراجع أبداً.
نال ابنُ عمرَ شرف المشاركة في هذا الصلح التاريخي، ويروي تفاصيله قائلاً: كان ذلك في يوم الحديبية، حين توجهنا مع النبيِّ نحو مكة المكرمة. لم يكن هدفنا سوى أداء العمرة، لكن أهلَ مكة منعونا لِسوء فهمٍ عندهم. كان الناسُ متفرقين تحت ظلال الأشجار، حين لاحظ والدي عمرُ جمعاً من الناس يلتفون حول النبيِّ بإحكام، فقال لي: يا عبد الله، اذهب وانظر لِمَ يحتشد الناسُ حول رسول الله؟
ذهبتُ لاستطلاع الأمر، فإذا بهم يعقدون بيعةً مصيرية. لم أتردد لحظة، فبادرتُ بالمشاركة والمعاهدة على البقاء مع النبيِّ حتى الموت. وكان النبيُّ قد أرسل عثمانَ إلى مكة ليفاوض القوم، لكن الوقت طال ولم يَعُد، ثم سرت إشاعةٌ قوية بأن عثمانَ قُتِلَ في مكة. في تلك اللحظة الحرجة، جمع النبيُّ الناسَ ليعقد تلك البيعة.
كان ابنُ عمرَ يفتخر دائماً بأنه بايع النبيَّ قبل والده عمر. بل إن بعض المؤرخين ذكروا أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان أولَ من بايع في ذلك اليوم. وبسبب غياب عثمان، عقد النبيُّ البيعةَ لعثمان بنفسه، حيث وضع يدَه اليمنى على يده اليسرى نيابة عنه.
لم يمضِ على العودة من الحديبية سوى عشرين يوماً حتى اضطر المسلمونُ للتوجه نحو خيبر، وذلك بسبب مكائد اليهود الذين حشدوا الجموعَ لغزو المدينة. كان السكوت عن هذا التهديد يعني خطراً محققاً، فنزلت الآيةُ الكريمة تحفز المؤمنين: وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها (الفتح: 20). استعد النبيُّ وانطلق معه الصحابةُ، وكان ابنُ عمرَ بينهم. شارك في تلك الغزوة كل من شهد الحديبية، باستثناء جابر بن عبد الله.
نصرُ خيبر وملحمةُ مؤتة
ألقى التحركُ الإسلاميُّ الرعبَ في قلوب الأعداء، ففروا هاربين. غنم المسلمونُ أموالاً كثيرة، نال ابنُ عمرَ نصيباً منها، وكان يقول: ما شبعنا من التمر حتى فتحنا خيبر. ومن الذكريات التي لا تُنسى في حياة ابن عمر هي وقعة مؤتة، وهي منطقة تقع في أطراف الشام قرب البحر الميت.
بعث النبيُّ الحارثَ بنَ عميرٍ رسولاً إلى حاكم بصرى، وفي الطريق اعترضه شرحبيلُ بنُ عمروٍ الغساني، وكان والياً للروم في تلك النواحي، فقام بأسر الحارث ثم قتله. كان قتلُ الرسلِ والوجهاءِ خرقاً للأعراف الدبلوماسية، فأخذ النبيُّ الأمرَ بجدية تامة، وأمر المسلمين بالتحرك للرد. انضم ابنُ عمرَ إلى الجيش الذي لم يتجاوز عدده ثلاثة آلاف، بينما حشد الرومُ مئةَ ألفِ مقاتلٍ وانضم إليهم مئة ألف أخرى من قبائل العرب.
تسلل القلقُ إلى نفوس المسلمين أمام هذا العدد الضخم، فماذا يفعلون؟ كان النبيُّ قد عين زيداً قائداً، فإن أصيب فليقد جعفرٌ، فإن أصيب فليقد عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ. وعندما تردد البعضُ، خطب فيهم ابنُ رواحةَ بحماسة قائلاً: يا قوم، إن الذي تكرهون هو ما خرجتم لأجله؛ الشهادة. نحن لا نقاتل العدوَّ بالعدد ولا بالقوة، إنما نقاتله بهذا الدين الذي أكرمنا اللهُ به، فانفروا؛ فإما النصر وإما الشهادة.
استجاب الناسُ لندائه وخاضوا المعركة. استشهد زيدٌ، ثم تسلم جعفرٌ الرايةَ حتى سقط مخضباً بدمائه، فجاء الدور على ابنِ رواحةَ الذي استبسل حتى سقط هو الآخر. حينها اختار المسلمونُ خالدَ بنَ الوليدِ قائداً، فاستعمل حيلةً عسكرية بارعة أربكت الرومَ وحقق النصرَ.
يقول ابنُ عمرَ: بحثنا عن جعفر في ساحة المعركة، فوجدناه بين القتلى وقد أصيب بتسع وتسعين طعنةً ورميةً، وكلها كانت في صدره؛ فلم تكن هناك ضربةٌ واحدة في ظهره. حين قطع العدوُّ يدَه اليمنى التي تحمل الراية، أمسكها بيده اليسرى، ولما قُطعت، احتضن الرايةَ بعضديه حتى استشهد. بقيت مؤتةُ ذكرى متقدة في قلب ابن عمر، رغم غصة سكنت روحَه لأنه عاد إلى المدينة مع مجموعة من الجيش قبل أن يحسم خالدُ بنُ الوليد المعركة تماماً.
في رحاب العفو النبوي
يروي ابنُ عمرَ بمرارة تلك اللحظات قائلاً: انطلقنا مسرعين نحو المدينة، وكنا نرى أنفسنا فارّين من المعركة. تملكنا الخوفُ وتساءلنا: ماذا فعلنا؟ هل استوجبنا غضبَ الله؟ كنا نواسي بعضنا بعضاً في ألمٍ شديد، ثم قررنا في النهاية أن نذهب إلى النبيِّ لنعتذر ونطلب الصفحَ. وصلنا إلى المدينة قبل صلاة الفجر والوجل يملأ قلوبَنا.
كنا نحاول التخفي والحياء يمنعنا، فشعر النبيُّ بوجودنا وسأل: من هؤلاء؟ أجبنا ونحن نشعر بالذنب: نحن الفرّارون من القتال. لكن رد النبيِّ الذي يعلم حقيقة المعركة وظروفها القاسية كان مفاجئاً ومريحاً، حيث قال: بل أنتم العكّارون أي الذين يكرّون للهجوم مرة أخرى، أنا فئتكم، وأنا مع كل فئةٍ من المسلمين.
رأى ابنُ عمرَ في هذه الكلمات أعظم تشجيعٍ ناله في حياته. لقد كانت تلك اللحظة هي التي أدرك فيها الفتى سعة صدرِ النبي وعمق نظرته النفسية في احتواء أصحابه ورفع روحهم المعنوية.
