هناك شخصٌ يفعلُ كلَّ الخيراتِ، لكنَّه شاكٌّ في مَسألةِ اللهِ، فما حالُه؟ كان هذا سؤالُ جماعةٍ لابنِ عمرَ. فجاءَ الردُّ سريعًا: لقد هَلَكَ
سألَ آخرُ: وهناك رجلٌ يرتكبُ على كلِّ الموبقاتِ، وليس له أعمالٌ صالحةٌ تُذكرُ، لكنَّه يشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ اللهِ؟
أدركَ ابنُ عمرَ جوهرَ السؤالِ فقال: اعمَلِ الصالحاتِ ولا تغترّ
كان ابنُ عمرَ دائمَ العملِ، غارقًا في العبادةِ. كانت الصلاةُ قرةَ عينِه، وكان يُظهرُ خشوعًا عجيبًا. حتى مِشيتُه إلى الصلاةِ كانت مميزةً؛ كأنَّه نملةٌ تدبُّ. كان الناسُ يقولون: لو سارَتْ نملةٌ مع ابنِ عمرَ لسبقَتْه
علَّمَ النبيُّ ﷺ أنَّ لكلِّ خطوةٍ إلى الصلاةِ أجرًا عظيمًا. لذا، كان يقفُ في صلاتِه بتركيزٍ تامٍّ، مُوجِّهًا كلَّ جوارحِه نحو الكعبةِ. يقولُ طاووسُ: ما رأيتُ أحدًا يستقبلُ القبلةَ بوجهِه وكفَّيه وقدميه بدقةٍ مثلَ ابنِ عمرَ. حتى إبهامُ قدمِه لم يكن ينحرفُ عن اتجاهِ القبلةِ
بذلَ جهدًا عظيمًا لربطِ قلبِه في الصلاةِ، وحاوَلَ جاهدًا منعَه من التشتتِ
لم يكن يضعُ مصحفًا أو سيفًا في مكانِ صلاتِه، وكان يمحو أيَّ كتابةٍ موجودةٍ؛ خوفًا من أن يسرقَ ذلك تركيزَه. وفي السجودِ، كان يحافظُ على ذكرِ اللهِ الكاملِ. فأقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه وهو ساجدٌ. كان يدعو في سجودِه قائلًا: اللهمَّ إني أُحبُّكَ أكثرَ من كلِّ شيءٍ، وأخافُكَ أكثرَ من كلِّ شيءٍ. ربِّ، لقد أنعمتَ عليَّ كثيرًا، فلا تجعلني ظهيرًا للمجرمينَ. لقد كانت هذه الكلماتُ هي غايةُ حياتِه
كانَ ابنُ عمرَ يقولُ عن نفسِه بتواضعٍ شديدٍ: ما صليتُ صلاةً منذُ أسلمتُ إلا وأنا أرجو أن تكونَ كفارةً للذنوبِ
كانَ الجدولُ اليوميُّ لابنِ عمرَ يفيضُ بالروحانيةِ؛ ما بينَ صلاةٍ، وقضاءِ
حوائجِ الناسِ، ومسؤولياتِ المسجدِ، وتلاوةِ القرآنِ. فبعدَ صلاةِ الصبحِ، يظلُّ جالسًا في المصلى حتى تشرقَ الشمسُ وينتشرَ الضياءُ، ثم يصلي، وينطلقُ إلى السوقِ. وبعدَ قضاءِ احتياجاتِه، يعودُ إلى أهلِه، لكنَّه لا يدخلُ البيتَ إلا بعدَ أن يمرَّ بالمسجدِ أولًا ويصلي ركعتينِ
سألَ شخصٌ نافعًا مولى ابن عمر: ماذا كانَ يفعلُ ابنُ عمرَ في بيتِه؟
فأجابَ نافعٌ: لا أظنُّكم تطيقونَ ما كانَ يفعلُه. كانَ يجددُ الوضوءَ لكلِّ صلاةٍ، ويقضي ما بينَ الصلواتِ مكبًّا على المصحفِ. أما الوقتُ الذي بينَ الظهرِ والعصرِ، فكانَ يغمرُه بالعبادةِ
أعطى ابنُ عمرَ صلاةَ الجماعةِ أهميةً بالغةً. فإذا فاتَتْه صلاةُ العشاءِ في جماعةٍ، أحيا الليلَ كلَّه تعبدًا دونَ نومٍ. وكانَ يقولُ: كنا إذا فقدنا الرجلَ في صلاةِ العشاءِ والصبحِ، أسأنا به الظنَّ
حرصَ رضي الله عنه على النوافلِ أشدَّ الحرصِ. فكانَ يصلي أربعَ ركعاتٍ قبلَ الظهرِ وأربعًا بعدَها، ويحافظُ على سننِ الصلواتِ الأخرى كأنَّها فرائضُ.
أما في الليلِ، فكانت حياتُه صلاةً دائمةً. يصلي طويلًا ثم يسألُ نافعًا: أحانَ وقتُ السحرِ؟ فإذا قالَ لا، عادَ إلى صلاتِه. فإذا قالَ نافعٌ نعم، جلسَ يستغفرُ اللهَ ويدعو حتى يحينَ أذانُ الفجرِ. لقد كانَ يتوقُ أن يكونَ من الذينَ أثنى عليهم القرآنُ بأنَّهم: وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
يقولُ أبو غالبٍ: قَدِمَ ابنُ عمرَ مكةَ ذاتَ مرةٍ، ونزلَ ضيفًا عندنا. فلما كانَ الليلُ، قامَ إلى صلاتِه. وقبيلَ الفجرِ ناداني قائلًا: يا أبا غالبٍ، ألا تقومُ فتصلي؟ حاولْ أن تقرأَ ثلثَ القرآنِ في صلاتِكَ
ويتابعُ أبو غالبٍ حديثَه متعجبًا: فقلتُ له: لقد اقتربَ الصبحُ، فكيفَ أقرأُ ثلثَ القرآنِ الآنَ؟
فأجابَ ابنُ عمرَ مذكرًا بحديثِ النبيِّ ﷺ: أليسَ قد قالَ رسولُ اللهِ ﷺ إنَّ سورةَ الإخلاصِ تعدلُ ثلثَ القرآنِ؟
كانَ لابنِ عمرَ إناءٌ من حجرٍ يضعُ فيهِ الماءَ. وكانَ من عادتِه أن يستيقظَ في الليلِ أربعَ أو خمسَ مراتٍ، فيتوضأُ ويصلي، مكررًا هذا الفعلَ طوالَ ليلتِه بتفانٍ وإخلاصٍ
