يحتلُّ الصحابيُّ ابنُ عمرَ مكانةً سامقةً في دنيا الحديثِ النبويِّ، حيث تُعدُّ مروياتُه من أوثقِ الأسانيدِ وأصحِّها. ويعودُ السرُّ في ذلك إلى شخصيةِ ابنِ عمرَ الفريدةِ وتشدُّدِهِ في النقلِ؛ إذ تميزت أحاديثُه بالدقةِ المتناهيةِ، والارتباطِ الوجدانيِّ العميقِ بالرسولِ ﷺ، مما جعل الأمةَ الإسلاميةَ تتلقى أحاديثَه بالقبولِ التامِّ.
ومن شواهدِ ذلك، ذكرُهُ لحديثِ أركانِ الإسلامِ: بُني الإسلامُ على خمسٍ؛ شهادةِ أن لا إله إلا اللهُ وأن محمداً عبدُه ورسولُه، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، والحجِّ، وصومِ رمضانَ. وحين سألَهُ سائلٌ: هل الحجُّ قبل الصومِ؟ أجابَ ابنُ عمرَ بثباتٍ: لا، بل صومُ رمضانَ ثم الحجُّ، هكذا سُمِعَ من رسولِ اللهِ ﷺ. لقد كان يحرصُ على نقلِ اللفظِ كما هو دون تقديمٍ أو تأخيرٍ.
الاقتداء في الهدي النبوي
كان ابنُ عمرَ يُعلِّمُ الناسَ آدابَ المودعِ، فذات مرةٍ قال لمسافرٍ: تعالَ أودعْكَ كما كان النبيُّ ﷺ يودعُنَا، ثم قال: أستودعُ اللهَ دينَكَ وأمانتَكَ وخواتيمَ عملِكَ. وطلبَ من الرجلِ أن يرددَ خلفَهُ تلك الكلماتِ ليغرسَ في نفسِهِ الالتزامَ بالهديِ النبويِّ في أدقِّ التفاصيلِ.
ومن ورعِهِ أنه كان لا يرضى أن يقالَ لأحدٍ قمْ من مجلسِكَ ليجلسَ هو فيه، عملاً بحديثِ النبيِّ ﷺ الذي حثَّ فيه على التفسحِ في المجالسِ وعدمِ إقامةِ المرءِ أخاهُ ليجلسَ مكانَه. لقد جسّدَ ابنُ عمرَ الأخلاقَ النبويةَ واقعاً ملموساً.
نقلَ ابنُ عمرَ عن المصطفى ﷺ أن الغبطةَ لا تكونُ إلا في خصلتينِ: رجلٌ آتاهُ اللهُ القرآنَ فهو يقومُ به آناءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ، ورجلٌ آتاهُ اللهُ مالاً فهو ينفقُه في وجوهِ الخيرِ. كما حذرَ من اغترارِ الناسِ بالمظاهرِ؛ فربَّ أشعثَ أغبرَ ذي عقلٍ راجحٍ ينجو عند اللهِ، وربَّ فصيحٍ جميلِ المنظرِ يهلكُ يومَ القيامةِ لفسادِ سريرتِه.
وفي نقدِهِ لواقعِ المسلمينَ المتغيرِ، أشارَ إلى أن الدرهمَ والدينارَ قد أصبحا عند البعضِ أغلى من الصديقِ المسلمِ. وذكرَ تحذيرَ النبيِّ ﷺ من زمانٍ ينشغلُ فيه الناسُ بالتجارةِ والزراعةِ اتباع أذناب البقر ويتركونَ الجهادَ في سبيلِ اللهِ، مما يؤدي إلى ذلٍّ يضربُهُ اللهُ عليهم حتى يراجعوا دينَهم.
لُقِّبَ ابنُ عمرَ بفقيهِ الصحابةِ، وكان عضواً بارزاً في مجلسِ الفتوى من عهدِ عثمانَ بنِ عفانَ حتى وفاتِه، بجانبِ كبارِ الصحابةِ كابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ. ورغم علمِهِ الغزيرِ، كان شديدَ الحذرِ من الفتوى، يخشى أن يخالفَ من سبقَهُ من الرعيلِ الأولِ، فكانت فتاواهُ قليلةً مقارنةً بغيرِهِ، تغلفُها التقوى والورعُ الشديدُ.
منهج ابن عمر في الفتوى
يروي نافعٌ أن ابنَ عمرَ وابنَ عباسٍ كانا يجلسانِ لإفتاءِ الحجيجِ عند قدومِهم، وكان نافعٌ يترددُ عليهما بالتناوبِ. وبينما كان ابنُ عباسٍ يجيبُ السائلينَ باستفاضةٍ ورحابةِ صدرٍ، كان ابنُ عمرَ يترددُ كثيراً ويحجمُ عن إعطاءِ الفتوى.
ذات مرةٍ، وجّهَ سائلٌ سؤالاً إلى ابنِ عمرَ، فأطرقَ رأسَه وصمتَ طويلاً حتى ظنَّ الحاضرون أنه لم يسمعِ السؤالَ، فقالوا له: يا إمامُ، هل سمعتَ ما سألكَ الرجلُ؟ فرفعَ رأسَه وقال: بل سُمِعَ السؤالُ، ولكن أتحسبون أننا لن نُسألَ غداً عما تطلبون منا اليومَ؟ أمهلوني قليلاً حتى أفهمَ المسألةَ جيداً، فإن وجدْتُ الجوابَ أخبرتُكم، وإلا قُلْتُ لا أعلمُ.
يقولُ عقبةُ بنُ مسلمٍ: صحبتُ ابنَ عمرَ أربعةً وثلاثين شهراً، وكان أكثرُ جوابِهِ عما يُسألُ عنه هو: لا أدري. ثم يلتفتُ إليّ قائلاً: أترى هؤلاءِ السائلين؟ إنهم يريدون أن يجعلوا ظهري جسراً يعبرون به إلى النارِ. لقد كان الخوفُ من اللهِ يملأُ قلبَه ويحكمُ لسانَه.
