حين علم ابن عمرَ رضي الله تعالى عنهما أن الحسينَ بن علي، سبط النبي ﷺ، قد عزم على المسير إلى العراق، استبد به القلقُ؛ فقد أدرك بحنكته السياسية أن هذه الخطوةَ محفوفةٌ بالمخاطر. سارع ابن عمرَ خلفه حتى أدركه بعد مسيرة ثلاثة أيام، وسأله: إلى أين الوجهةُ؟ فأجابه الحسينُ: إلى العراق. ثم أخرج الحسينُ رسائلَ كثيرةً وقال: هذه كتبُهم وعهودُهم لي. لقد كان الحسينُ واثقاً بوعودهم.
لكن ابن عمرَ حذره قائلاً: الأفضل لك ألا تذهب إليهم، ورأيي ألا تفعل ذلك أبداً. غير أن الحسينَ كان قد عقد العزمَ على المضي في طريقه. حينها ذكّره ابن عمرَ بحديثٍ شريفٍ قائلاً: إن جبريلَ أتى النبيَّ ﷺ فخيره بين الدنيا والآخرة، فاختار النبيُّ الآخرةَ ولم يلتفت إلى الدنيا. وأنت بضعةٌ من رسول الله، واللهِ لن ينال أحدٌ منكم هذا الأمرَ (الحكم)، وما صرف اللهُ عنكم السلطةَ إلا لخيرٍ يريده لكم.
تبسم الحسينُ وهمَّ بالرحيل، فاحتضنه ابن عمرَ وبكى مودعاً إياه قائلاً: استودعك اللهَ من قتيل. كان ابن عمرَ يوقن أن الحسينَ سيُقتلُ، وهذا ما وقع بالفعل. وكان ابن عمرَ يقول لاحقاً كلما تذكر الفاجعةَ: لقد غلبنا الحسينُ وخرج، وكان له في مصير أبيه وأخيه عبرةٌ كافيةٌ.
وعندما آلت الأمورُ إلى ابن الزبير، ظل ابن عمرَ معتزلاً للفتنة. فبعد موت يزيد بن معاوية ثم ابنه معاوية بن يزيد، بايع أهلُ الحجاز والعراق ومصر وخراسان وأجزاء من الشام ابنَ الزبير، لكن مروان بن الحكم رفض ذلك، واستعاد الشامَ ومصرَ من يد ولاةِ ابن الزبير، ثم سار نحو العراق لكنه مات قبل الإتمام. تولى بعده ابنه عبد الملك، فقتل مصعبَ بن الزبير واستولى على العراق، ثم أرسل الحجاجَ لمحاصرة ابن الزبير في مكة حتى استعاد الحكمَ.
خلال كل هذه الاضطرابات، ظل ابن عمرَ ثابتاً على موقفه، نابذاً للسلطة، ورافضاً لكل أشكال الصراعِ المريرِ على الحكم. وفي إحدى المراحل، قال له مروان بن الحكم: يا ابن عمر، هلمَّ فبايعنا، فأنت سيدُ العرب وابنُ سيدهم. فسأله ابن عمرَ: وماذا أفعل بأهل المشرق إن رفضوا؟ فأجاب مروانُ: نقاتلهم حتى يبايعوا. فقال ابن عمرَ: واللهِ لا أريد ذلك، ولا أحب أن يُسفك دمُ إنسانٍ واحدٍ بسببي.
الثبات على المبدأ في وجه الفتن
أثار اعتزالُ ابنِ عمرَ الفتنَ قلقَ الكثيرين، فجاءه رجلٌ يسأله: يا أبا عبد الرحمن، أخبرنا عن القتال في زمن الفتن، أليس اللهُ يقول: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ؟ فأجابه ابنُ عمرَ بوعي وحكمة: ويحك! إنما كان ذلك القتالُ في عهد النبي ﷺ ضد المشركين، ولم يكن صراعاً على السلطةِ بين المسلمين بعد أن دخلوا في دين الله.
وفي ذروة الصراع بين ابن الزبير وخصومه، جاء رجلان إلى ابنِ عمرَ فقالا له: ألا ترى ما يفعله الناسُ؟ وأنت ابنُ عمرَ وصاحبُ النبي ﷺ، فما الذي يمنعك من الخروج للقتال؟ فكان ردُّه حاسماً: يمنعني أن اللهَ حرم عليّ سفك دمِ أخي المسلم، هذا هو مانعي الوحيدُ. فقالا: ألم يقل اللهُ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ؟ فابتسم ابنُ عمرَ وقال: لقد قاتلنا حتى لم تكن فتنةٌ وكان الدينُ لله، أما أنتم اليوم فتريدون قتالاً لتزرعوا الفتنةَ ويكون الدينُ لغير الله، وهذا ما لا أقبله أبداً.
وذات يوم، جاءه رجلٌ مغضباً وقال: يا أبا عبد الرحمن، إنك تحجُّ وتعتمرُ كل عام، ولكنك تترك الجهادَ في سبيل الله، فما الذي يدفعك لهذا؟ فأجابه ابنُ عمرَ بهدوء: يا بني، إن الإسلامَ بُني على خمسِ دعائمَ: الإيمان بالله ورسوله، وإقامة الصلاةِ، وصوم رمضانَ، وإيتاء الزكاةِ، وحج البيتِ. فسأله الرجلُ عن آيات القتال والصلح بين الفئتين المؤمنتين، فأوضح له ابنُ عمرَ أن تلك الأحكامَ نزلت حين كان المسلمون قلةً مستضعفين، أما اليوم فقد انتشر الإسلامُ ولم تعد هناك فتنةٌ تستوجب هذا النوعَ من القتال.
ثم سأله الرجلُ: فما قولك في عليٍّ وعثمانَ؟ فقال ابنُ عمرَ: أما عثمانُ فقد عفا اللهُ عنه، ولكنكم تكرهون أن تقبلوا عفوَ الله عنه. وأما عليٌّ، فهو ابنُ عم رسول الله وصهرُه، وهذا بيتُه، مشيراً إلى مكان قريب من بيت النبي ﷺ. وهكذا، لم يستطع أحدٌ أن يثنيَ ابنَ عمرَ عن موقفه، فقد كانت له حججٌ دامغةٌ أثبتت الأيامُ صحتها بمرور الزمن.
وعندما حان الوقتُ العصيبُ الذي صُلب فيه عبدُ الله بن الزبير، كان المنظرُ على عقبة الحجون بمكة يفطر القلوبَ؛ إذ كان جثمانُه معلقاً والناسُ يمرون من حوله. مرَّ ابنُ عمرَ بذلك الطريق، فوقف أمام الجثمانِ وقال بصوت مخلص: السلام عليك يا أبا خبيب، السلام عليك يا أبا خبيب. واللهِ لقد نهيتك عن هذا، و واللهِ ما علمتك إلا صواماً قواماً وصولاً للرحم. ثم أضاف بمرارة: وايم الله، إن أمةً أنت شرُّ مَن فيها لأمةُ خيرٍ.
وصلت أنباءُ وقوفِ ابنِ عمرَ عند الجثمان إلى مسامع الحجاجِ بن يوسف الثقفي، وكان الحجاجُ رجلاً قاسيَ القلبِ، فما كان منه إلا أن أمرَ بإنزال جثمانِ ابن الزبير من على جذع النخلةِ ودفنه بعد ذلك الموقف المؤثر من ابن عمر.
