ذات يومٍ، خاطبَ أحدُ الأشخاصِ ابنَ عمرَ قائلاً: يا خيرَ الناسِ! فـلم يـقبلْ ذلك منه؛ إذ كان يـكرهُ المدحَ والـتـبـاهي، فـأجابَـهُ بـتـواضعٍ: لستُ أنا بـخيرِ الناسِ ولا ابـنَ خـيرِهم، إنـما أنا عـبـدٌ من عبادِ اللهِ، أرجو رحـمـتَـهُ وأخـشى عـذابَـهُ. وحـذرَ الناسَ من الـمـبالغةِ في الـمـدحِ كـي لا يـهـلـكوا صـاحبَـهُ بـالـغـرورِ.
لم يكن ابنُ عمرَ يـطيقُ الـثـناءَ الـكـاذبَ، وكان يـسيرُ في طـريقِـهِ بـهـيبةٍ وتـواضعٍ. فـكان يـسرعُ في مـشـيـتِـهِ، ويقولُ إنَّ الـسرعةَ تـعينُ على بـلوغِ الـهدفِ وتـبـعـدُ عـنـهُ أنـظارَ الـمـارةِ، فـقد كان يـهربُ من الـشـهـرةِ وتـعـظيمِ الـخـلـقِ لـديـهِ.
والـتـقى يـوماً بـعبدِ اللهِ بنِ عـمروٍ عند الـمروةِ، فـتـحادثا طويلاً، ولـما انـصرفَ ابنُ عـمروٍ، ظلَّ ابنُ عمرَ واقـفاً يـبكي بـحرقةٍ. فـسـُئِـلَ عن سببِ بـكائِـهِ، فـأجابَ: لقد ذكـرَ لي ابنُ عـمروٍ حديثاً عن النبيِّ ﷺ يقولُ فـيـهِ: مـن كان في قـلـبِـهِ مـثـقالُ ذرةٍ من كـبـرٍ، كـبَّـهُ اللهُ على وجـهِـهِ في الـنارِ.
وكان ابنُ عمرَ يـقصدُ الـسوقَ كـثيراً، لا لـيـبـيعَ أو يـشتريَ، بـل لـيـنشرَ الـسلامَ بـين الناسِ. فـكان يـرى أنَّ ردَّ الـسلامِ دعاءٌ بـالـسكينةِ والـرحـمةِ، وكان يـعـتـقدُ أنَّ إجـابةَ هذا الـدعاءِ هي سـبـيلُ الـنـجاةِ الـحـقـيـقـيُّ.
إفـشاءُ الـسلامِ وطـيـبُ الـمـعاملةِ
رافقَ طفيلُ بنُ أبيٍّ ابنَ عمرَ يوماً إلى السوقِ، فلاحظ أنَّ ابنَ عمرَ يـمرُّ بـكلِّ بائعٍ ومسكينٍ وفـقيرٍ يـلقاهم فـيـلقي عليهم الـسلامَ، دون أن يـقـفَ عند بـضاعةٍ أو يـسألَ عن سـعرٍ. فـسأله طفيلٌ: ما تـصنعُ في السوقِ وأنت لا تـقفُ على بـيـعٍ ولا تـشتري شـيئاً ولا تـجـلسُ مع أحـدٍ؟ فـأجابهُ ابنُ عمرَ بـتـواضعٍ: إنـما نـغدو من أجلِ الـسلامِ، فـنـسلمُ على من لـقـيـناهُ لـنـنالَ الأجـرَ والـثوابَ.
ومرةً سـلَّـمَ ابنُ عمرَ على رجلٍ من النوبةِ، فـلم يـردَّ الرجلُ الـسلامَ. فقال الناسُ: إنه نـوبـيٌّ نـزلَ الآن من الـسفينةِ ولا يـفهمُ قـولَكَ. فـردَّ ابنُ عمرَ بـبساطةٍ: وأنا أيضاً خـرجتُ الآن من بـيـتي، خـرجتُ لأُسـلـمَ عليه ويـردَّ الـسلامَ عـليَّ. وكان من عـادتِـهِ أنه إذا عاد من سـفـرٍ، لا يـدخلُ بـيـتَـهُ حتى يـبدأَ بـالـمسجدِ، ثم يـذهبَ إلى الروضةِ الـشريفةِ لـيـلقيَ الـتـحيةَ على الـنبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمرَ.
لم يـنطق لـسانُ ابنِ عمرَ بـكلمةٍ سـيئةٍ قـطُّ، ولم يـلعنْ خـادماً ولا غـيـرَهُ. وكان إذا بـدرَ منه لـفظٌ غيرُ مـستحبٍ في حـقِّ عـبـدٍ له، سـارعَ إلى إعـتـاقِـهِ كـفارةً عن ذلك. وذات مرةٍ، تـبـعـهُ رجـلٌ يـشـتـمُـهُ، فـظلَّ ابنُ عمرَ صـامتاً حتى وصلَ إلى بـابِ دارِهِ، فـالـتفتَ إليه وقال: إني أنا وأخي عاصماً لا نـسبُّ الناسَ.
وفي الـسـفـرِ تـظهرُ مـعادنُ الـرجالِ. يـقولُ مجاهدٌ: صـحبتُ ابنَ عمرَ في سـفرٍ لأخـدمَـهُ، فـكان هو الذي يـخـدمُـني! فـكان يـرفضُ أن أصنعَ له شـيئاً، بل كان يـسـاعدُني في إناخةِ نـاقـتي وركـوبِـها بـنـفـسِـهِ. وإذا قـدمَ مكةَ، نـزلَ في دارِ آلِ عبدِ اللهِ، ولا يـقبلُ الضيافةَ أكثرَ من ثلاثةِ أيامٍ، فـإذا كان الـيومُ الرابعُ، أرسلَ من يـشتري له حـاجتَـهُ من الـسوقِ تـعفـفاً.
وفي الـتـعاملاتِ الـماليةِ، كان سـمـحاً كـريماً. يـحكي عطاءُ بنُ سـباعٍ أنَّ ابنَ عمرَ اقـتـرضَ منه ألـفـيْ درهمٍ، وعند ردِّ الـدينِ، أعـطاهُ ألـفـيـنِ ومـائـتـيْ درهمٍ. فـأخـبرَهُ عطاءٌ بـالـزيادةِ ظـنّاً منه أنه يـخـتـبـرُهُ، فـقال ابنُ عمرَ: تـلك الـمائتانِ هي لكَ طـيـبةً بـها نـفـسي.
