لم يكن ابنُ عمرَ يـسـتـسيغُ الطعامَ دون أن يـشاركَـهُ الـفـقراءُ والـيتامى. فـكان في مـنزلِـهِ أو في سـفـرِهِ لا يـأكلُ إلا ومـعـهُ مـساكينُ يـدعـوهـم لـمـشاركتِـهِ الـمـائدةَ.
ذات مـرةٍ في الـجـحـفةِ، وبينما كان يـتـناولُ طـعامَهُ ومـعـهُ صـحـبـُهُ، أقبلَ طـفـلٌ أسودُ يـرتدي أسمالاً بـاليةً. فـدعاهُ ابنُ عمرَ لـلأكـلِ، فـاعتذرَ الـصبيُّ بـزحـمةِ الـمكانِ، فـتـنحى ابنُ عمرَ قـليلاً وضـمَّ الـطـفـلَ إلى صـدرِهِ وأجـلـسَـهُ بـجـانـبِـهِ حتى شـبـعَ.
وفي مـوقفٍ آخـرَ، دعا يـتـيماً لـلـغداءِ، لـكنَّ الـيـتـيـمَ تـأخـرَ حتى انـتهى الـقـومُ من الأكـلِ. وكان ابنُ عمرَ يـمسكُ بـقدحٍ فـيه شـرابٌ مـفضلٌ لـديـهِ، وحين قـرَّبَ الـقدحَ من فـمِـهِ وصـلَ الـيـتـيمُ، فـناولـهُ ابنُ عمرَ الـشـرابَ قائلاً: خذ يـا بـنيَّ واشـربْ هـنيئاً.
كان يـعـيبُ على أقـاربِـهِ أنـهم يـدعونَ الأغـنياءَ ويـتـركونَ الـمـحتاجينَ، وكان يـقولُ: إنـهم يـطـعـمونَ مـن لا يـشتهي الـطعامَ ويـحـرمونَ الـجـائعَ. وبـسببِ إيـثارِهِ، نـحلَ جـسـدُ ابنِ عمرَ، فـلامَ الأقـاربُ زوجتَـهُ صـفـيةَ، فـقالت: ماذا أفـعلُ؟ إني أصـنـعُ له أشـهى الـطعامِ فـيـوزعُـهُ على الـمـساكينِ.
حـاولتْ صـفـيةُ حـيـلةً، فـأطـعـمـتِ الـفقراءَ في الـطريقِ وطلبتْ منهم ألا يـأتوا إذا دعاهـم ابنُ عمرَ. وعندما عادَ وابـتـدأ يـطلبُ إحـضارَ الـمساكينِ، أخـبـرتـُه أنـها أطـعـمـتـهم ولن يـأتوا. فـغضبَ ابنُ عمرَ وقـررَ الـصيامَ تـلك الـليـلةَ قائلاً: إذن أنتِ تـريـديـنَ مـني ألا آكـلَ الـيـومَ. فـأدركَ الـجميعُ أنَّ زهدَهُ لا يـتـغيرُ.
زارَهُ ابنُ مـطـيعٍ ورأى هـزالَـهُ، فـطلبَ مـنه أن يـأكلَ لـيـقـوى جـسـدُه، فـردَّ عليه ابنُ عمرَ: منذ ثماني عشرةَ سـنةً ما شـبـعـتُ إلا مـرةً واحدةً، ومـا بـقيَ من عـمـري إلا الـقـليلُ، فـلـماذا أمـلأُ بـطـني؟
وعلى كـثرةِ صـدقـاتِـهِ، كان يـخشى ألا يـتـقـبـلَ اللهُ مـنه، فـقال لابـنِـهِ يـوماً: لـو عـلمتُ أنَّ اللهَ تـقـبلَ مـني سـجـدةً واحدةً أو درهـمـاً واحداً لـتـمنيتُ الـموتَ شـوقاً، فـاللهُ يـقولُ: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ.
