كان ابنُ عمرَ تـجسيداً حـياً لـرقةِ الـقـلبِ. يـتذكرُ نـافعٌ أنه مرضَ ذاتَ مـرةٍ، واشـتـهت نـفـسُـهُ عـنـقوداً من العنبِ. فاشتريتُ له عـنـقوداً بـدرهمٍ ووضعتُـهُ في يـدِهِ، فـإذا بـسـائلٍ يـظهرُ عند الـبابِ.
فـقال ابنُ عمرَ على الفورِ: اذهب بـهذا الـعـنـقودِ وضـعْـهُ في كـفِّ الـسـائلِ. فـقلتُ له: كُـلْ أنت منه قـليلاً، أو ذُقْـهُ على الأقلِ. فـأصـرَّ قـائلاً: لا، بـل أعـطِـهِ لـلـسائلِ. فـفعلتُ ما أمـرَني به.
ثم ذهبتُ إلى الـسوقِ مـرةً أخرى، واشـتـريتُ عـنـقوداً بـدرهمٍ، ووضعتُـهُ بـيـن يـديِ ابنِ عمرَ. وفـجأةً، عـادَ الـسـائلُ نـفـسُـه ووقفَ عند الـبابِ. فـلما رآه ابنُ عمرَ قال: أعـطِـهِ هذا الـعـنـقودَ.
فـقلتُ له: لـنـعـطِـهِ شـيئاً آخـرَ، وتـنـاولْ أنت هذا الـعنبَ. لـكنه رفـضَ وقـال: لا، اذهب وأعـطِـهِ إيـاهُ. فـاضـطـررتُ لـتـسـلـيـمِـهِ لـلـسائلِ. تـكررَ هذا الـمـوقفُ ثـلاثَ أو أرْبـعَ مـراتٍ؛ الـسائلُ نـفـسُـه يـعـودُ كـلَّ مـرةٍ ويـأخذُ الـعـنـقودَ الذي أُحـضِـرُهُ.
وفي الـمـرةِ الـرابـعـةِ، لـم أتـمـالـكْ نـفـسـي فـقـلتُ لـلـسائلِ: أما عـندكَ حـيـاءٌ يـا هذا؟ فـانـصرفَ الـرجـلُ مـبـتـعـداً. وحـيـنـئـذٍ فـقـط، أُحـضِـرَ عـنـقودٌ جـديـدٌ بـدرهمٍ، فـأكـلَ مـنه ابنُ عمرَ.
ذات مرةٍ، كان ابنُ عمرَ في مـنطقةِ الجحفةِ فـاشـتهى سـمـكاً، فـبـحثَ أصحابُـهُ طويلاً حتى وجدوا سـمـكةً واحدةً فقط. قـامت زوجتـُه صفـيةُ بـتـنظيفِـها وطـهـيِـها ثم قـدمتـها له، وفجأةً ظهرَ مـسكينٌ عند البابِ، فـقال ابنُ عمرَ: خذ هذه السـمـكةَ وأعـطِـها له. اندهشَ أهلُ بـيـتِـهِ وقالوا: سبحانَ اللهِ! لقد بـذلنا جـهداً كبيراً حتى حـصلنا عليها وطـبـخـناها لك، فهل تـعطيهِ إياها الآن؟ ألا يـكفي أن نـعـطيـَهُ شيئاً آخـرَ؟ فـأجابَـهم ابنُ عمرَ: إني أحـبُّ هذه السـمـكةَ كثيراً، واللهُ تعالى يقولُ في القرآنِ الكريمِ إنَّ الـبِـرَّ لا يـتـحققُ إلا بـالإنفاقِ مما نـحـبُّ. ولـهذا السببِ أيضاً، كان ابنُ عمرَ يـتصدقُ بـالـسـكرِ والـحـلوى بكثرةٍ؛ لأنه كان يـحبُّ الـحـلاوةَ جداً.
ويـروي عبدُ اللهِ بنُ دينارٍ أنه كان مـسافراً مع ابنِ عمرَ نحو مكةَ، وفي الطريقِ نزلَ راعٍ من الجبلِ، فـأرادَ ابنُ عمرَ اخـتبارَهُ فـسأله: هل تـبيعُـني شاةً من هذا القـطيعِ؟ فأجابَ الراعي: أنا عـبـدٌ مـمـلوكٌ، ولا أمـلكُ سـلطةً لـبـيـعِـها. فقال ابنُ عمرَ مـمتحـناً إياهُ: قـل لـسـيدِكَ إنَّ الذئبَ أكـلَـها. فردَّ الراعي بـقـوةٍ: يا هذا، فـأينَ اللهُ؟ فـبكى ابنُ عمرَ مـتأثراً وظلَّ يـرددُ: فـأينَ اللهُ؟ ثم قـام بـشراءِ ذلك الـعـبـدِ وأعـتـقَـه لـوجهِ اللهِ.
كان لـدى ابنِ عمرَ عـبـيدٌ كـثيرٌ، فـكان إذا رأى في أحـدِهم خصلةً تـُعجبُـهُ أعـتـقَـهُ فـوراً. ولـمَّا عـرفَ الـعـبـيـدُ ذلك، صاروا يـتظاهرونَ بـالتقوى والـصلاةِ في الـمسجدِ حين يـراهـم. فـقال له أحـدُهم: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إنَّ هؤلاءِ يـخـدعونـكَ. فـكان ردُّ ابنِ عمرَ: مـن خـدَعـنا بـاللهِ انـخـدَعـنا له.
ومرةً، كان يـركبُ نـاقةً غـاليةَ الثـمنِ، فـشعرَ بـسعادةٍ غامرةٍ وراحةٍ في تلك الرحلةِ، فـنزلَ عـنـها فـوراً وقال لـنـافعٍ: انـزعْ عـنها حـمـلَـها وزِمـامَـها، وألـحِـقـها بـإبـلِ الـصدقةِ لـلمسلمينَ. وكذلك فـعـلَ مع جـاريتِـهِ رُمـيـسـةَ التي كانت أحـبَّ الناسِ إليه، فـأعـتـقَـها قـائلاً: إني أحـبُّـكِ كثيراً، ولـذلك أنـتِ حـرةٌ لـلهِ؛ طـمعاً في نـيلِ الـبـرِّ.
وفي موقفٍ آخـرَ، سـاقَ نجدةُ الـحروريُّ إبـلَ ابنِ عمرَ، فـجاء الراعي مـذعوراً وقال: لقد ذهبتْ إبـلُـنا مـعـهم. فـسأله ابنُ عمرَ: ولـماذا لم تـذهبْ أنتَ أيضاً؟ فأجابَ: لقد أخـذوني لـكني هـربتُ لأنـكَ أحـبُّ إليَّ منهم. فـاستحلفـَهُ ابنُ عمرَ باللهِ على صـدقِ قولِـهِ، فـلما حـلفَ الراعي، أعـتـقَـهُ ابنُ عمرَ في مـكانِـهِ. وحـين قـيل له إنَّ الـنـاقةَ تـُبـاعُ الآن في الـسوقِ، قال ابنُ عمرَ بـزهدٍ: لا أريـدُها، لقد تـركتُـها لـلهِ.
