وصلَ ابنُ عمرَ إلى المدينةِ وهو في الحاديةِ عشرةَ من عمرِه، فوجدَ فيها مدرسةً كبرى للتعلمِ والتطبيقِ، وكانت مدرسةُ النبيِّ ﷺ هي غايتَه. لقد أزهرتْ طفولةُ ابنِ عمرَ ومراهقتُه بفضلِ تلكَ الصحبةِ المباركةِ.
تهذبتْ روحُ الشابِّ تحتَ رعايةِ الرسولِ ﷺ؛ فقد كانَ النبيُّ يتدخلُ في كلِّ شأنِه، يمنحُه العلمَ، ويغمرُه بالحبِّ، ويُلبسُه رداءَ الاحترامِ والشجاعةِ، ويقدمُ لهُ النصيحةَ وقتَ الحاجةِ.
أصبحَ ابنُ عمرَ التلميذَ الأحبَّ إلى قلبِ المصطفى ﷺ، فاستوعبَ كلَّ ما رآه وما سمعَه منهُ، وطبَّقَ هديهُ ﷺ في حياتِه بدقةٍ متناهيةٍ، حتى قيلَ إنهُ لم يتركْ صغيرةً ولا كبيرةً إلا واقتدى بها.
كانَ المسجدُ النبويُّ هو مدرستَه الدائمةَ، وكانَ ابنُ عمرَ حمامةً من حمائمِ المسجدِ لا يفارقُه. وقد زادَ القربُ والمودةُ حينَ تزوجَ النبيُّ ﷺ من أختِه السيدةِ حفصةَ رضي الله عنها، مما جعلَ رعايةَ النبيِّ لهُ تزدادُ حناناً وقرباً.
رأى ابنُ عمرَ ذاتَ يومٍ رُؤيا في منامِه؛ رأى في يدِه قطعةً من حريرٍ غليظٍ، وكانت تطيرُ بهِ إلى أيِّ مكانٍ يشتهيهِ في الجنةِ. وبينما هو كذلكَ، جاءَه ملكانِ لِيذهبا بهِ إلى النارِ، فظهرَ ملكٌ آخرُ وتصدى لهما قائلاً لي: "لا تَخَفْ". فعندئذٍ تركاني ومضيا.
قصَّ ابنُ عمرَ هذهِ الرؤيا على أختِه حفصةَ لِيصلَ خبرُها إلى النبيِّ ﷺ ويسمعَ تأويلَها. فجاءَ ردُّ النبيِّ ﷺ حكيماً ومشجعاً: "نِعْمَ الرَّجُلُ عبدُ اللهِ، لو كانَ يصلي من الليلِ." ومنذُ ذلكَ اليومِ، لم يتركْ ابنُ عمرَ قيامَ الليلِ قطُّ، وزادَ في صلاتِه ونوافلِه.
تَحْتَ ظِلِّ النُّبُوَّةِ
كانتْ عينُ النبيِّ ﷺ ترعى ابنَ عمرَ في كلِّ حينٍ، فكانتْ تلكَ الرعايةُ بمثابةِ مدرسةٍ تهذيبيةٍ. يقولُ ابنُ عمرَ: "أتيتُ النبيَّ ﷺ يوماً، فألقى إليَّ وسادةً محشوةً بليفٍ لِأجلسَ عليها، لكني لم أجلسْ إجلالاً لهُ. ومرةً أخرى ألبسني النبيُّ ﷺ بردةً تشبهُ الحريرَ، فكانَ ذلكَ تشريفاً كبيراً لي."
رأى النبيُّ ﷺ ثوبَ ابنِ عمرَ يتدلى تحتَ الكعبينِ، فقالَ لهُ: "يا عبدَ اللهِ، ارفعْ إزارَكَ." فرفعتُه. فقالَ: "زدْ." فزدتُ. فسألَ سائلٌ: "إلى أينَ؟" فقالَ النبيُّ ﷺ: "إلى أنصافِ الساقينِ." وهكذا كانَ ابنُ عمرَ يمتثلُ لأوامرِ النبيِّ ﷺ بمجردِ الإشارةِ.
كانتِ النساءُ يرتدنَ المسجدَ لِطلبِ العلمِ وقضاءِ الحوائجِ، فأرادَ النبيُّ ﷺ أن يجعلَ لهنَّ باباً خاصاً يحفظُ خصوصيتَهنَّ. فقالَ يوماً: "لو تركنا هذا البابَ لِلنِّساءِ." ومنذُ أن سمعَ ابنُ عمرَ تلكَ الكلمةَ، لم يدخلْ من ذلكَ البابِ قطُّ حتى فارقَ الحياةَ.
رأى ابنُ عمرَ هلالَ رمضانَ، فأخبرَ النبيَّ ﷺ بذلكَ. فأمرَ النبيُّ ﷺ الناسَ بالصيامِ، واعتزَّ ابنُ عمرَ كثيراً بأنَّ شهادتَه قد قُبِلتْ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ. وعندما نزلَ تحريمُ الخمرِ، استعانَ النبيُّ ﷺ بالشبابِ لتنفيذِ الأمرِ، فنادى ابنَ عمرَ وقالَ لهُ: "هلمَّ ومعكَ مُدْيَةٌ سكينٌ."
يقولُ ابنُ عمرَ: "خرجتُ معَ النبيِّ ﷺ ومِعنا جماعةٌ، وكانتْ زقاقُ الخمرِ (الأوعية) منتشرةً في السوقِ، وقد جُلبتْ من الشامِ. فأخذَ النبيُّ ﷺ السكينَ مني وشقَّ بها الزقاقَ، فانهمرتِ الخمرُ في الطرقاتِ. ثم أعطاني السكينَ وقالَ: أَكْمِلْ أنتَ، وليساعدكَ أصحابُكَ." فانطلقتُ بحماسٍ أخرقُ أوعيةَ الخمرِ حتى جرتْ كالنهرِ في الأسواقِ.
كانت ثقةُ النبيِّ ﷺ في ابنِ عمرَ عظيمةً، حتى إنهُ بشَّرهُ بالجنةِ معَ أبيهِ. يروي ابنُ عمرَ قائلًا: "كنتُ معَ النبيِّ ﷺ في نخلٍ، فجاءَ أبو بكرٍ يستأذنُ، فقالَ النبيُّ ﷺ: ائذنْ لهُ وبشِّرْهُ بالجنةِ. ففعلتُ. ثم جاءَ عمرُ، فأذنتُ لهُ وبشرتُه بالجنةِ. ثم جاءَ عثمانُ، فقالَ النبيُّ ﷺ: ائذنْ لهُ وبشِّرْهُ بالجنةِ على بَلْوَى تُصيبُه. فدخلَ عثمانُ فبكى ثم ضحكَ."
في تلكَ اللحظةِ، سألتُ النبيَّ ﷺ: "يا رسولَ اللهِ، فماذا عني؟" فقالَ النبيُّ ﷺ: "يا عبدَ اللهِ، أنتَ معَ أبيكَ.”
مَواعِظُ نَبَوِيَّةٌ خَالِدَةٌ
قدمَ النبيُّ ﷺ نصائحَ غاليةً لابنِ عمرَ، فقالَ لهُ ذاتَ مرةٍ: "أَحِبَّ في اللهِ، وأَبْغِضْ في اللهِ؛ فإنهُ لا تُنالُ ولايةُ اللهِ إلا بذلكَ، ولا يجدُ العبدُ طعمَ الإيمانِ -وإن كثرَتْ صلاتُه وصومُه- حتى يكونَ كذلكَ."
وقالَ لهُ أيضاً: "يا ابنَ عمرَ! إذا أصبحتَ فلا تنتظرِ المساءَ، وإذا أمسيتَ فلا تنتظرِ الصباحَ. وخذْ من صحتِكَ لمرضِكَ، ومن حياتِكَ لموتِكَ؛ فإنكَ يا عبدَ اللهِ لا تدري ما اسمُكَ غداً أي هل ستكونُ من الأحياءِ أم من الموتى."
ويذكرُ ابنُ عمرَ موقفاً مؤثراً حينَ أخذَ النبيُّ ﷺ بمنكبِه وقالَ لهُ: "يا بنيَّ! كنْ في الدنيا كأنكَ غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ، وعُدَّ نفسَكَ في أهلِ القبورِ."
وتابعَ النبيُّ ﷺ وصاياهُ قائلاً: "يا عبدَ اللهِ! هناكَ (في الآخرةِ) لا قيمةَ للدينارِ ولا للدرهمِ، وإنما القيمةُ للحسناتِ والسيئاتِ؛ فالثوابُ للمحسنينَ والعقابُ للمسيئينَ. واعلمْ أنكَ إن ضيَّعتَ أبناءَكَ ضيَّعَكَ اللهُ يومَ القيامةِ، وصرتَ أضحوكةً بينَ الناسِ. وإياكَ والخيلاءَ؛ فمن جرَّ ثوبَه خُيلاءَ لم ينظرِ اللهُ إليهِ يومَ القيامةِ."
كانَ ابنُ عمرَ يفخرُ دائمًا بأنهُ لم ينقضْ عهداً واحداً عاهدَ عليهِ رسولَ اللهِ ﷺ. كانَ النبيُّ هو كلَّ حياتِه، وكانَ يقولُ عنه بكلِّ إجلالٍ: "ما رأيتُ أحداً أشجعَ ولا أجودَ ولا أرضى ولا أزكى من رسولِ اللهِ ﷺ." وكانَ ابنُ عمرَ كلما ذكرَ النبيَّ ﷺ اغرورقتْ عيناهُ بالدموعِ حنيناً وشوقاً.
