كان مـجلسُ النبيِّ ﷺ غاصّاً بـالصحابةِ الكرامِ، وفيهم أبوبكرٍ وعمرُ وكبارُ القومِ. طـرحَ النبيُّ ﷺ سـؤالاً مـشوقاً: إنَّ من الـشـجرِ شـجرةً تـشـبـهُ الـمـسلمَ، فـما هي؟ ثم أعطى ﷺ بـعضَ الإشاراتِ، قـائلاً إنها تـؤتي أُكـلـَها في كلِّ حـينٍ، ولا يـسـقـطُ ورقـُها. بـدأ الـصحابةُ يـفكرونَ في شـجرِ الـبوادي، وذكـروا أسماءَ كـثـيرةً، لكنَّ النبيَّ ﷺ كان يـبتسمُ ويـهزُّ رأسَـهُ نـافياً. وفـي الـنـهايةِ، كـشفَ الـنبيُّ ﷺ الـسرَّ قائلاً: هي النخلةُ.
إنَّ الـتـأملَ في الـنـخلةِ يـكشفُ عـظـمتـَها، فـليس فـيها شـيءٌ يـضيعُ سـدىً، بـل كـلُّـها نـفـعٌ لـلإنسانِ والـبيئةِ. وهـكذا يـريدُ النبيُّ ﷺ لـلـمؤمنِ أن يـكونَ؛ نـافعاً بـقـولِـهِ وفـعـلِـهِ وفـكـرِهِ، ومـباركاً حـيثما حـلَّ.
انـتهى الـمجلسُ، وعادَ عمرُ إلى بـيـتِـهِ ومـعـهُ ابـنُـهُ الصـغـيـرُ الذي حـرصَ على حـضورِهِ مـجالسَ الـعلمِ. وفي الـطـريقِ، قال الابـنُ: يا أبـتِ، لـقد وقـعَ في نـفـسي حـين طـرحَ الـنبيُّ سـؤالـَهُ أنـها الـنـخلةُ. تـعجبَ عمرُ وقال: ولـماذا لم تـتـكلمْ يا بـنيَّ؟ أجابَ الـغلامُ بـحياءٍ: رأيـتـُكَ ورأيـتُ أبـابكرٍ لم تـتـكـلما، فـاسـتـحيـيـتُ أن أتـكـلمَ. فـقال عمرُ: لـأن تـكونَ قـلـتـَها أحـبُّ إليَّ من كـذا وكـذا.
هذا الـغـلامُ الـنـبـيـهُ هو عبدُ اللهِ بنُ عمرَ. وُلِـدَ في الـسـنةِ الـثـانـيةِ من الـبـعـثـةِ الـنـبويةِ، واخـتارَ له والـدُه اسـمَ عـبـدِ اللهِ، وهو أحـبُّ الأسماءِ إلى اللهِ. وقد كان يـعـتزُّ بـاسـمِـهِ هـذا كـثــيراً، حتى نـقـشَ عـبدَ اللهِ بنَ عمرَ على خـاتـمِـهِ.
يـُعدُّ ابنُ عمرَ أحـدَ الـعـبـادلةِ الأربـعـةِ الـمـشـهورينَ في الـتاريخِ، وهم: عبدُ اللهِ بنُ عـباسٍ، وعـبـدُ اللهِ بنُ الـزبـيـرِ، وعـبـدُ اللهِ بنُ عـمروِ بنِ الـعاصِ. وإلى جـانبِ نـسـبِـهِ لـعـمرَ بنِ الـخطابِ، كان يـُكـنى بـأبي عـبدِ الرحمنِ.
يـلـتـقي نـسـبُ عـمرَ بنِ الـخطابِ مع الـنـبيِّ ﷺ في جـدِّهِ كـعـبٍ. أما أمُّ عبدِ اللهِ فـهي زيـنـبُ بـنتُ مـظعونٍ الـجـمـحـيـةُ، أختُ الصحابيِّ الـجليلِ عـثـمانَ بنِ مـظعونٍ، وكـانت امرأةً صالـحةً زاهـدةً.
