عاشَ ابنُ عمرَ مقتبلَ شبابِه في مكةَ، وقضى فيها سبعَ سنواتٍ بعدَ إسلامِه. كانت تلكَ الأيامُ مليئةً بالمخاوفِ بسببِ اعتداءاتِ قريشٍ؛ فبالرغمِ من قوةِ والدِهِ وشجاعتِه في تحدي الأعداءِ، إلا أنَّ ذلكَ كانَ يستجلبُ الأخطارَ والمتاعبَ دوماً.
وعندما اشتدَّ الأذى، فُتحَ بابُ الهجرةِ؛ حيثُ أذنَ النبيُّ ﷺ لأصحابِه بالرحيلِ قائلاً: "إنَّ اللهَ سيجعلُ لكم إخواناً وداراً تأمنونَ فيها، فاخرجوا." فكانَ هذا الأمرُ النبويُّ إيذاناً ببدءِ الرحلةِ.
هاجرَ معظمُ المسلمينَ سراً خوفاً من بطشِ الأعداءِ، إلا أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ كانَ لهُ شأنٌ آخرُ. يتذكرُ ابنُ عمرَ ذلكَ المشهدَ قائلاً: تجهزَ أبي للهجرةِ، فتقلدَ سيفَه، وتنكبَ قوسَه، وأمسكَ بأسهمِه، ووضعَ عنزتَه (رمحاً صغيراً) في وسطِه، ثم اتجهَ نحو الكعبةِ حيثُ كانَ مشركو قريشٍ يجلسونَ في فنائِها."
طافَ بالبيتِ سبعاً، ثم صلى ركعتينِ خلفَ المقامِ بكلِّ سكينةٍ. بعدَ ذلكَ، وقفَ على حلقاتِ قريشٍ حلقةً حلقةً وقالَ لهم: "شاهتِ الوجوهُ!" ثم صرخَ فيهم بتحدٍ عظيمٍ: "إني مهاجرٌ، فمن أرادَ أن تثكلَه أمُّه، أو يُيتمَ ولدُه، أو تُرملَ زوجتُه، فليلقني وراءَ هذا الوادي، وسنرى مَنْ يغلبُ"
مضى عمرُ شامخاً، واهتزتْ لصلابتِه أرجاءُ الحرمِ، ولم يجرؤْ أحدٌ على اعتراضِ طريقِه أو اتباعِه.
هاجرَ ابنُ عمرَ بصحبةِ والديهِ. ولهذا السببِ، عندما قررَ عمرُ (في خلافتِه) صرفَ أربعةِ آلافِ درهمٍ لكلِّ واحدٍ من المهاجرينَ، أعطى ابنَه عبدَ اللهِ ثلاثةَ آلافٍ وخمسمائةٍ فقط. وعندما سُئلَ عن سببِ هذا النقصِ، أجابَ قائلاً:
“لقد هاجرَ مع والديهِ، وهذا لا يتساوى مع مَنْ هاجرَ بنفسِه وتحملَ مشقةَ الغربةِ وحيداً.”
حنينٌ وألمٌ ووفاءٌ
خلفَ فراقُ مكةَ -حيثُ نشأَ ولعبَ مع أصحابِه- جرحاً عميقاً في قلبِ ابنِ عمرَ، وظلتْ مرارةُ الوداعِ تلازمُه طويلاً دونَ أن تنطفئَ.
ويروي ابنُ عمرَ موقفاً مؤثراً حدثَ بعدَ فتحِ مكةَ، حينَ مرَّ بجوارِ بيوتِهم القديمةِ، فقالَ: "مررتُ بتلكَ الديارِ، فغمضتُ عينيَّ وما التفتُّ إليها، وكنتُ أبكي حرقةً." لقد كانَ ألمُ الشوقِ يعتصرُ قلبَه، أو ربما كانَ ذلكَ نوعاً من الاحتجاجِ الصامتِ ضدَّ أولئك الذينَ أخرجوهُ من وطنهِ بغيرِ حقٍّ.
وفي وقتٍ لاحقٍ، أوصى ابنُ عمرَ ابنَه سالماً قائلاً: "إذا متُّ في الحرمِ، فادفنِّي خارجَه؛ فإني أكرهُ أن يكونَ مستقري الأخيرُ في الحرمِ بعدَ أن هاجرتُ منهُ." وكانَ يدعو ربَّه دائمًا: "اللهمَّ لا تجعلْ ميتتي بمكةَ."
لم تكنْ هذهِ المشاعرُ نابعةً من كرهٍ لمكةَ أو تقليلٍ من قدسيتِها، فابنُ عمرَ العالمُ لا يمكنُ أن يغيبَ عنه فضلُها. ولكنَّه ربما كانَ تعبيراً عن غصةٍ في الروحِ لأنَّ رغبتَه في البقاءِ فيها قد رُفضتْ يوماً، أو ربما كانَ تواضعاً منهُ، حيثُ يرى نفسَه غيرَ جديرٍ بأن يُدفنَ في أطهرِ بقاعِ الأرضِ.
