في العامِ الذي قـُتِـلَ فيه ابنُ الزبـيـرِ، خرجَ ابنُ عمرَ لـلحجِّ وكان الحجاجُ بنُ يوسفَ هناك. وحين حلَّ يومُ عرفةَ وقـربَ وقتُ الزوالِ، ذهبَ ابنُ عمرَ إلى خيمةِ الحجاجِ وناداهُ لـيعلمَـهُ أنَّ وقتَ الـنفيرِ قد حان.
كان سـالمٌ يـرافقُ أباهُ ابنَ عمرَ. فـسألَ الحجاجُ: أالآنَ نـخرجُ؟ فأجابه ابنُ عمرَ بـنـعـم. فـطلبَ الحجاجُ قـليلاً من الوقتِ لـيغتسلَ، ثم خرجَ إليهم.
حينها قال سـالمٌ لـلحجاجِ: إن كنتَ تـريدُ اتباعَ سنةِ النبيِّ ﷺ، فـعـجِّـلِ الـصلاةَ وأقـصرِ الـخطبةَ. ونـظرَ سـالمٌ إلى أبيهِ الـذي أكـدَّ قـولَـهُ. ولم يكن الحجاجُ يـريدُ مخالفةَ ابنِ عمرَ في أمورِ الحجِّ؛ لـتـوصيةِ الخليفةِ به ولـهـيـبةِ ابنِ عمرَ في نـفـسِـهِ.
وعند الـنـفـيـرِ من عرفةَ، أرسلَ الحجاجُ رجلاً يحملُ رمحاً مـسـمـوماً. وفي وسطِ زحـامِ الناسِ، طـُعِـنَ ابنُ عمرَ في قـدمِـهِ بـذلك الـرمحِ، مما تـسببَ له بـجرحٍ غـائرٍ أقـعدَهُ في الـفـراشِ أيـاماً.
حين شـعرَ بـدنوِّ أجـلِـهِ، قال لـسـالمٍ: يا بـنيَّ، إذا مـتُّ فـادفـنـي خارجَ حدودِ الـحرمِ، فـإني لا أُحـبُّ أن أُدفـنَ فيه بـعد أن هـاجرتُ مـنه. لكنَّ سـالماً قال: يا أبـتِ، سـنـفـعـلُ وصـيـتَـكَ إنِ اسـتـطـعـنا.
لم يـعـجبْ هذا الردُّ ابنَ عمرَ فـقال: أتـقولُ لـي إنِ اسـتـطعتَ وأنا آمـرُكَ بـأمرٍ؟ فـأوضحَ سـالمٌ أنَّ الحجاجَ قد لا يـسمحُ بـذلك، فـسكتَ ابنُ عمرَ ولم يـتكلمْ بـعدها.
جاء الحجاجُ لـزيـارتِـهِ وقال: لـو عـلمتُ من جـرحَـكَ لـعاقـبـتـُهُ. فـردَّ عليه ابنُ عمرَ بـقـوةٍ: إنما جـرحـني مـن أدخـلَ الـسلاحَ إلى الـحرمِ. فـبـُهِـتَ الحجاجُ ولم يـجدْ رداً، فـهو من أمـرَ بـحـملِ الـسلاحِ.
ولم يـطـلِ الـمـقامُ بـابنِ عمرَ بـعد ذلك، فـفـاضتْ روحـُهُ إلى بـارئِـها في شهرِ ذي الحجةِ من عامِ ثلاثةٍ وسـبـعين للهجرةِ، بـعد ثـلاثةِ أشهرٍ من مـقـتـلِ ابنِ الزبـيـرِ، وكان عـمـرُهُ أربعةً وثـمانينَ عـاماً.
مـيراثُ الـعـلـمِ والـتـقـوى
خـلَّـفَ رحيلُ ابنِ عمرَ فراغاً كبيراً في العالمِ الإسلاميِّ، فـقـد كان مـوتـُهُ نـهايةَ عصرٍ حافلٍ بـالـعـلـمِ والـتـقـوى. وقد أثـنى الـعـالـمُ على مـكانتِـهِ الرفـيـعـةِ بـكلِّ إجلالٍ.
قال عنه ابنُ مسعودٍ: ما رأيتُ أحداً أمـلكَ لـنـفـسِـهِ من ابنِ عمرَ. ووصفَهُ حذيفةُ بـأنـه الـرجلُ الذي يـبـحثُ في أعـماقِ عـيوبِـهِ لـيـصلحَـها. ويـروي رجاءُ بنُ حيوةَ أنـهم عـلموا بـوفاتِـهِ وهم في مـجلسِ ابنِ مـحـيـريـزٍ، فـأقسمَ الأخيرُ قائلاً: واللهِ لقد كان بـقاءُ ابنِ عمرَ أماناً لأهلِ الأرضِ.
في بـدايةِ حياتِـهِ، لم يـكن ابنُ عمرَ يـميلُ إلى الزواجِ، لـكنَّ أختـَهُ حفصةَ هي التي حـثـتـهُ عليه قائلةً: تـزوَّجْ، فـإن مـاتَ لـكَ ولدٌ نـلـتَ الأجـرَ، وإن عاشَ نـلـتَ الـدعاءَ.
فـتـزوجَ وأنجبَ اثـنيْ عشرَ ابـنـاً وأربـعَ بـنـاتٍ. ومن زوجتِـهِ صفـيةَ بـنتِ أبي عـبـيدٍ الثـقـفيِّ، وُلِـدَ له: أبوبكرٍ، وأبوعـبـيـدةَ، وواقدٌ، وعبدُ اللهِ، وعمرُ، وحـفـصـةُ، وسودةُ. أما عبدُ الـرحمنِ، فـوُلِـدَ من أُمِّ الـعـلقمـةِ. وُُلِـدَ له أيضاً: سـالمٌ، وعـبـيـدُ اللهِ، وحمزةُ، وزيدٌ، وعـائـشـةُ، وبـلالٌ، وأبـوسـلـمةَ، وقـلابـةُ من أمهاتِ أولادٍ أخـرياتٍ.
