تـولى عمرُ الـخـلافـةَ في شهرِ جمادى الآخرةِ من العامِ الثالثَ عشرَ للهجرةِ، وحـققَ في فـترةٍ وجـيـزةٍ فـتـوحاتٍ عـظيـمةً. فـخـضعتْ لـسـلـطـانِ الإسلامِ بـلادٌ كـثيرةٌ مـثـلُ دمشقَ والأردنِ والأهـوازِ والـمدائنِ ومـصـرَ. وقد شـارك ابنُ عمرَ في تـلك الـمـعاركِ مـشاركةً فـعالةً، فـانـطلقَ غـازياً إلى الشامِ والـعراقِ والـبـصرةِ وفـارسَ، وكـانت مـشاركـتـُهُ في مـوقـعةِ الـيرموكِ تـجربةً فـريـدةً بـحقٍّ.
كان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ يـنظرُ إلى أبيهِ بـإعجابٍ كـبـيـرٍ، فـنـشأت بـيـنـهما رابـطـةٌ روحـيـةٌ عـميـقةٌ. وكان الأبُ قد غـرسَ في نـفـسِ ابـنِـهِ دروساً بـالـغـةَ الأهمـيةِ منذ الـصـغـرِ. فـفـي إحدى الـرحلاتِ مع النبيِّ ﷺ، أراد ابنُ عمرَ أن يـتـقدمَ بـراحلـتِـهِ أمـامَ الـنبيِّ، فـمـنـعـهُ عمرُ قـائلاً: يا عبدَ اللهِ، لا يـتـقدمُ أحـدٌ بـيـن يـديِ الـنبيِّ.
لقد كان ابنُ عمرَ يـسيرُ وفـقَ مـرضاةِ والـدِهِ دوماً. فـقـد كـانت له زوجةٌ لم يـكن عمرُ راضـياً عـنـها لـسببٍ مـا، فـذكرَ عمرُ ذلك لـلـنبيِّ ﷺ. فـدعا الـنبيُّ ﷺ ابنَ عمرَ وقـال له: فـارقْـها. يـقولُ ابنُ عمرَ: كـنتُ أُحـبُّ تـلك الـمرأةَ حـبّاً جـمّاً، لـكنني طـلـقـتـُها طـاعةً لـوالدي. هـكذا كـان عـمقُ الـوفـاءِ والـصـلةِ بـيـن الابـنِ وأبـيـهِ.
حـرصُ الأبِ وحـادثـةُ خـيـبـرَ
كان تـفـكـيـرُ عمرَ في شـؤونِ ابـنِـهِ يـسـلكُ مـسـالكَ مـثـيـرةً لـلإعـجـابِ. يـروي ابنُ عمرَ أنه استأذنَ أبـاهُ يـوماً في الـخـروجِ لـلـقـتـالِ، فـقال له عمرُ: يا بـنـيَّ، إني أخشى عـلـيـكَ الـفاحـشـةَ. انـدهـشَ ابنُ عمرَ وقال: أتـخـشى عـلـيَّ الـفاحـشـةَ وأنا ابنُـكَ؟ فـجاء ردُّ عمرَ بـمـنـطـقٍ عـجـيـبٍ: قد تـنـتـصـرُ في الـمـعـركةِ وتـُسـبى الـحـسـانُ، فـتـقـعُ عـيـنـُكَ على إحـداهُـنَّ، وبـحـكـمِ أنـكَ ابنُ أمـيـرِ الـمـؤمـنـيـنَ، قد يـتـنـحى الآخـرونَ عـنـها لـتـكـونَ من نـصـيـبِـكَ دون قـصـدٍ مـنـكَ، فـتـقـعُ في الـشـبـهـةِ. لذا، أريدُكَ أن تـبـقى هـنا الـآنَ. لـكنَّ عمرَ سـمحَ له بـعـد ذلك، وشـارك ابنُ عمرَ في فـتـوحاتٍ عـظيـمـةٍ كـفـتـحِ نـهـاونـدَ.
وفي حـادثـةٍ أخـرى، كان الاعـتـداءُ على ابنِ عمرَ سـبـبـاً في قـرارِ الـخـليـفةِ بـإجـلاءِ الـيـهـودِ من خـيـبـرَ. يـحكي ابنُ عمرَ: انـطـلـقـتُ مع الـزبـيـرِ والـمـقـدادِ لـتـفـقـدِ أمـوالِـنا في خـيـبـرَ، وبينما كـنتُ نـائـماً في الـليـلِ، هـجـمَ عـلـيَّ مـعـتـدٍ وفـتـلَ يـدي حتى انـخـلـعـتْ من كـتـفـي. صـرختُ فـهربَ الـمـعـتدي، وجاء أصحابي وأصـلحوا يـدي بـعـد أن انـفـصـلَ مـفـصـلُـها.
ذهبَ ابنُ عمرَ إلى أبـيـهِ وأخـبـرَهُ، فـقال عمرُ: هـؤلاءِ هـم الـيـهودُ، فـلـيـس لـنا عـدوٌّ غـيـرُهـم هناك. ثم جـمـعَ عمرُ الـناسَ وخـطـبَ فـيـهـم قائلاً: إنَّ النبيَّ ﷺ تـركَ لـنا الـحـقَّ في إخـراجِ أهـلِ خـيـبـرَ مـتى شـئـنا، والآن قد اعـتـدوا على عـبـدِ اللهِ، كـما فـعلوا مـثـلَ ذلك من قـبـلُ، ولا عـدوَّ لـنا هـناك غـيـرُهـم. لذا، قـررتُ إجـلاءَهُـم، فـمـن كان له مـالٌ بـخـيـبـرَ فـلـيـسـرعْ لـتـسـويـةِ أمـرِهِ.
