قضى ابنُ عمرَ طفولتَه في مكةَ، وكانت مدرستُه الأولى هيَ البيتَ تحتَ رعايةِ والديهِ. لم تكن هناكَ مدارسُ نظاميةٌ في مكةَ آنذاك؛ فكانَ التعليمُ يقتصرُ على محاكاةِ ثقافةِ العصرِ الجاهليِّ وتقاليدِه.
لكنَّ القدرَ ساقَ لابنِ عمرَ خيراً عظيماً فقد حدثَ تحولٌ مفاجئٌ في حياةِ والدِهِ عمرَ الذي كانَ قبلَ ذلكَ غارقاً في جاهليتِه. كانَ سببُ التغييرِ هو حلاوةُ القرآنِ وكلامِ اللهِ. فاستجابَ اللهُ لدعاءِ النبيِّ ﷺ حينَ قالَ: "اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ بأحبِّ هذينِ الرجلينِ إليكَ"، وكانَ أحدُهما أبو جهلٍ، لكنَّ التوفيقَ كانَ من نصيبِ عمرَ بنِ الخطابِ. وبإسلامِ الوالدِ، أصبحَ الطفلُ الصغيرُ عبدُ اللهِ مسلماً تَبَعاً لهُ، فكانَ ذلكَ أعظمَ فضلٍ نالَه.
بعدَ ذلكَ، بدأَ يقتبسُ من أبيهِ سماتِ الإسلامِ وأخلاقَه، وصارَ النبيُّ ﷺ هو معلمَه الأكبرَ. لقد بهرَ تحولُ الأبِ قلبَ الابنِ الصغيرِ، خاصةً وأنَّ إسلامَ عمرَ كانَ إعلاناً صريحاً للقوةِ والجهرِ بالحقِّ.
يتذكرُ ابنُ عمرَ ذلكَ اليومَ فيقولُ: "خرجَ أبي وخرجتُ خلفَه وأنا صبيٌّ صغيرٌ. سألَ أبي: مَنْ أسرعُ الناسِ نقلاً للأخبارِ؟ فقالوا لهُ: جميلُ بنُ مَعْمَرٍ الجُمَحِيُّ. فذهبَ إليهِ أبي وناداهُ: يا جميلُ، أمَا علمتَ أني قد أسلمتُ؟ فما إن سمعَ جميلُ الخبرَ حتى انطلقَ يركضُ نحو الناسِ وهو يجرُّ رداءَه، وأبي خلفَه، وأنا أعدو وراءَهما."
وصلَ جميلٌ إلى بابِ المسجدِ وصرخَ بأعلى صوتِه: يا معشرَ قريشٍ إنَّ عمرَ قد صبأ أي تركَ دينَه
فردَّ عليهِ عمرُ بصوتٍ جليلٍ: "كذبتَ، ولكني أسلمتُ، وشهدتُ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه."
ما إن سمعَ المشركونَ ذلكَ حتى تجمهروا حولَ عمرَ وبدؤوا يضربونَه بقوةٍ، لكنَّ عمرَ لم يستسلمْ، بل قاومَهم بكلِّ ما أوتيَ من قوةٍ. استمرَّ هذا العراكُ العنيفُ حتى انتصفَ النهارُ، فكلَّ أبي وجلسَ متعباً، فأحاطوا بهِ وهم يريدونَ الفتكَ بهِ. فقالَ لهم أبي متحدياً: "افعلوا ما بدا لكم، فواللهِ لا أتركُ ديني أبداً."
وفي غمرةِ ذلكَ الزحامِ، ظهرَ رجلٌ مسنٌ وسألَ الناسَ: "ما الخطبُ؟" قالوا: "عمرُ قد صبأ!
فقالَ الشيخُ بكلِّ حزمٍ: "وماذا في ذلكَ؟ اختارَ الرجلُ لنفسِه ديناً، فما شأنُكم؟ أتظنونَ أنَّ قومَه سيسكتونَ إنْ أنتم آذيتموهُ؟ اتركوُا الرجلَ وشأنَه."
وبأمرِ ذلكَ الرجلِ، تفرقَ الناسُ وانصرفوا.
يقولُ ابنُ عمرَ: "سألتُ أبي لاحقاً أظنُّ بعدَ الهجرةِ مَنْ ذلكَ الرجلُ الذي دافعَ عنكَ يومَها؟ فابتسمَ أبي وقالَ: إنهُ العاصُ بنُ وائلٍ السهمِيُّ."
منذُ تلكَ اللحظةِ، أدركَ ابنُ عمرَ عظمةَ هذا الدينِ وسحرَه، فمضى يقتفي أثرَ والدِهِ ليجعلَ الإسلامَ واقعاً حياً في حياتِه.
الِابْنُ عَلَى خُطَى أَبِيهِ
لقد كانَ قولُ سعيدِ بنِ المسيبِ هو الحقَّ حينَ قالَ: "كانَ عبدُ اللهِ أشبهَ ولدِ عمرَ بعمرَ."
وأكدَّ أبو سلمةَ هذا المعنى بقولِه: "لقد كانَ ابنُ عمرَ في الفضلِ مِثلَ أبيهِ."
ويروي زيدُ بنُ أسلمَ عن أبيهِ وصَفاً بليغاً لهذا الاقتداءِ قائلًا: "كانَ ابنُ عمرَ يتبعُ أثرَ عمرَ بدقةٍ متناهيةٍ، تماماً كما يتبعُ الفصيلُ (ولد الناقة) الضالُّ في الصحراءِ آثارَ أقدامِ أمِّهِ دونَ أن يخطئَ الطريقَ.”
